الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
273
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة
وإنما ذكرنا هذا البيان دفعا لما توهم من تحقيق الرؤية منه عليه تعالى بالبصر ، بل المراد هو درك الفؤاد بنحو ما ذكرنا المعبر عنه برؤية الفؤاد ، وهذه الرؤية قد علمت أنها تكون لنا أيضا ، ولم تكن رؤية البصر قطعا كما لا يخفى . وهناك أحاديث كثيرة واردة في بيان معراجه صلَّى اللَّه عليه وآله وكيفيته وحقيقته ، تدل على قربه صلَّى اللَّه عليه وآله وقربهم منه تعالى بحيث لا يشاركهم فيه أحد ، فراجع . ويشير إلى ما ذكرنا ما رواه بعضهم عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال : إن للَّه تعالى شرابا لأوليائه إذا شربوا سكروا ، وإذا سكروا طابوا ، وإذا طابوا ذابوا ، وإذا ذابوا أخلصوا ، وإذا أخلصوا طلبوا ، وإذا طلبوا وجدوا ، وإذا وجدوا وصلوا ، وإذا وصلوا اتصلوا ، وإذا اتصلوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم . قيل : قوله عليه السّلام : " إن للَّه تعالى شرابا " يشير إلى قوله تعالى : ( وسقاهم ربّهم شرابا طهورا ) 76 : 21 ( 1 ) . وقوله عليه السّلام : " وإذا اتصلوا لا فرق بينهم وبين حبيبهم " يشير إلى ما قلناه من القرب المعنوي ، الذي يكون فعل المحبوب ظاهرا في المحب بحيث ينفي المحبّ عن نفسه . قيل : وهذا شراب المحبّة بكأس الشوق والإرادة في عالم الأرواح قبل الأجساد ، حتى لا يبقى بينهم وبينه مغايرة ، ولا من إنّيتهم بقيّة ، ويكون المحبّة والمحب والمحبوب شيئا واحدا كما قيل : " إذا تمّ الفقر فهو اللَّه " والمراد بهذا الوحدة ما أشرنا إليه في الحديدة المحماة التي ليس فيها شيء إلا أثر النار . قيل : وليس هذا هو السكر المذموم أعني الموجب للمحبّ والسالك الهتك والشطح ، بل هو السكر المحمود المخصوص بالكمال المكمّل الموجب للمشاهدة والذوق ، والتحيّر في جمال المعشوق المعبّر عنه بالسير في اللَّه دون السير للَّه وباللَّه
--> ( 1 ) الإنسان : 21 . .